ربِّ اغفِر لوالدَتي وارحَمْها كمَا ربتني صغيراً، واجعَل قبرَها روضَة مِن رِياض الجنة، واجعلها وإيانا مِن وَرَثةِ جنة النعيم

6‏/5‏/2012

الحكمُ على الشَّيءِ فَرعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ

إن ممَّا يؤسِفُني أني أجد كثيراً من طلاب العلم لا يستطيعون النظر إلى المسائل المختَلَفِ فيها نَظَرَ المرجِّحِ، فيكونون بذلك أقرب إلى عوام المسلمين! 

والأدهى والأمَرُّ أن بعض هؤلاء الذين لا يستطيعون النظر إلى المسائل المختَلَفِ فيها نَظَرَ المرجِّحِ قد (تخرَّجَوا) من كليات متخصصة في الفقه! ولكنَّهم حِين البُروزِ إلى ساحة النَّظَر والبحث والترجيح، يكون كَثِيرٌ منهم كعوام المسلمين؛ فلا يعرفون أسباب الاختلاف، ولا الترجيح، ولا تطبيق القواعد الأصولية
والفقهية؛ فيكون حالُهم كحال الصنف الثالث من أصناف الناس مع العلم؛ كما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – حيث قال مبينا لأقسامهم: ((عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق)). فيصيرون مقلدين من حيث لم يشعروا !!

وإذا أقبلت إلى أحدهم تناقشه في (مسألة فقهية) بالدليل والبرهان؛ يقول لك: ولكن الشيخ فلاناً أفتى بكذا ! وما عَلِمَ أنه يُعاب عليه أن يتفوَّه بمثل هذا الكلام؛ فإنه (طالب علم) في مراحِلَ متقدمة، ويشار إليه بالبنان بأنه (الشيخ فلان) وأنه (متخرج من جامعة كذا)! وما عَلِمَ المساكينُ من أهلِه وأصدقائِه وجيرانِه أنه يحمل مُجَرَّدَ شهادة وهو (مُجَرَّدٌ) عن فهم العلم، فإنه بذلك يحمل عقلاً فارغاً من الآيات والأحاديث وقواعد الفقه والأصول، أو أنه يحمل (العلم، والشهادة، والعقل) ولكن لم يعوِّد نفسه على تطبيق ما دَرَسَ؛ فما عِنْدَهُ انْدَرَسَ!!

فلمثل هؤلاء - من إخوتنا في الله - أقول:

عوِّد نفسك على البحث والترجيح بتطبيق قواعد الفقه والأصول، وقبل ذلك عوِّد نفسك على حفظ الأدلة الشرعية، واسأل الله تعالى أن يعينك في ذلك، ولا تنسَ ما قال القديم:

لقـد خُلِـقْتَ لأَمْـرٍ لَـو فَطِـنْـتَ لَـهُ  **  فاربَأ بِنَفِسَكَ أن تَرعَى مَعَ الهَمَلِ

أقول، فهذا مما يُعابُ على طالب العلم؛ فطالب العلم لا ينبغي أن يكون خَوَاراً من القواعد والأصول وأدلة الكتاب والسنة وكيفية الترجيح!

ومما يؤسف أن بعضهم قد جمع إلى ذلك سوء التصرف بِحُكمه على الشيء دون تصوِّر لحقيقته ومَاهِيَّتِهِ، فصاروا يتخَبَّطون خَبطَ عَشواء، فيُصادِمون غيرهم بلا دليل ولا برهان علمي شرعي. فما أقرب إليهم المثل القائل: (حَشَفاً وسُوءَ كَيْلَة)!

ومما قد أقضَّ مضجعي ظَـنُّ بعضهم بجهل منهم أنهم متعلمون وفاهمون، ولم يعرفوا أنهم متعالمون وجاهلون! فليت شعري متى سيفيق هؤلاء من غفلتهم هذه؛ فإنهم إن لم يَتَنَبَّهوا أو يُـنَـبَّهوا صاروا بَلِيَّة على غيرهم، فبعضهم قد عُرِفَ أيَّام الطلب بعدم توافقه مع كثير من زملائه الأفاضل، فلا أدري كيف سيتحملُ أمثالُ هؤلاءِ عَوامََّ المسلمينَ وكيف سيتحملونه! 

وبعضهم قد يبني خلافه مع إخوته في تلك المسائل على جهل بقضية البحث والنقاش، وعدم معرفة بأبواب الفقه؛ فإن كانت القضية المناقَشُ فيها متعلقة مثلاً بـ(البيوع المنهي عنها في السنة النبوية)، فإن بعضهم لا يعرف عن القواعد والضوابط الفقهية في فقه البيوع، وفي فقه الخلاف شيئاً؛ وإن عرف فإن معرفته لا تكفيه لأنها مُجَرَّد معرفة مجرَّدَةٌ من الفهم !!

هناك تعليق واحد:

تشرفني مشاركتك بتعليق، أو تصحيح، أو توجيه.
شاكراً لك زيارتك، وراجياً لك الفائدة.
وأعتذر مسبقًا عن حذف التعليقات المحتوية على أرقام الهواتف أو البريد الالكتروني!

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة